نصر حامد أبو زيد
78
الاتجاه العقلي في التفسير
وارد الأخبار المأثورة ، بأنها من عند اللّه جل وعز ، فقوي في نفسي اعتقاد كونها توقيفا من اللّه سبحانه ، وأنها وحي . ثمّ أقول في ضد هذا كما وقع لأصحابنا ولنا ، وتنبهوا وتنبهنا ، على تأمّل هذه الحكمة الرائعة الباهرة كذلك لا ننكر أن يكون اللّه تعالى قد خلق من قبلنا ، وإن بعد مداه عنا ، من كان ألطف منا أذهانا ، وأسرع خواطر ، وأجرأ جنانا ، فأقف بين هاتين الخلتين حسيرا ، وأكاثرهما فأنكفئ مكسورا ، وإن خطر خاطر فيما بعد ، يعلق الكف بإحدى الجهتين ، ويكفيها عن صاحبتها ، قلنا به ، وباللّه التوفيق » 130 وهو تردد عالم باحث مدقق لا يجد مرجّحا بين المذهبين ، فيصل به الأمر إلى موقف « لا أدري » . وقد كان يمكن لابن جني أن يتوقف عند رأيه الثالث ، الذي ذهب فيه إلى أن اللغة نشأت تقليدا لأصوات الطبيعة « كدوي الريح ، وحنين الرعد ، وخرير الماء ، وشحيج الحمار ، ونعيق الغراب ، وصهيل الفرس ، ونزيب الظبي ونحو ذلك . ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد ، وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل » 131 قد كان لابن جني أن يتوقف عند هذا الرأي الذي ينفرد به بين الباحثين في هذه القضية ، ولكن يبدو أن هذا الرأي - بدوره - قد اعتبر تفريعا على القول بالاصطلاح ، وهذا ما جعل ابن جني يقصر حيرته وتردده بين الاصطلاح والتوقيف . * * * ويرتبط الخلاف حول أصل المواضعة - أيضا - بخلاف آخر حول تحديد مفهوم الكلام . فالكلام عند المعتزلة - كما يعبّر عنهم القاضي عبد الجبار - « ما حصل فيه نظام مخصوص من هذه الحروف المعقولة حصل في حرفين أو حروف . فما اختصّ بذلك وجب كونه كلاما ، وما فارقه لم يجب كونه كلاما . وإن كان من جهة التعارف لا يوصف بذلك ، إلّا إذا وقع ممن يفيد أو يصحّ أن يفيد ، فلذلك لا يوصف منطق الطير كلاما ، وإن كان قد يكون حرفين أو حروفا منظومة » 132 ويقوم هذا التعريف عند القاضي - وهو تعريف يشترط في الكلام الإفادة - على أساس مبدأ أثير عند المعتزلة ، هو « قياس الغائب على الشاهد » أي أن « كلام اللّه عز وجل من جنس الكلام المعقول في الشاهد ، وهو حروف منظومة وأصوات مقطعة » 133 والفارق بين الشاهد والغائب أننا نحتاج في إحداث الكلام إلى بنية مخصوصة « لأن ذلك آلة لنا في ايجاده » 134 لأننا قادرون بقدرة « وليس كذلك حكم القادر لنفسه ، لأنه ليس يحتاج في ايجاده لما يوجده إلى آلة ، ولا إلى سبب » 135 . وبذلك ينتهي القاضي إلى أن كلام اللّه « عرض يخلقه اللّه سبحانه في الأجسام على